محمد جمال الدين القاسمي

82

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر ، أو من الأحكام - لمن اتقى ، لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به . على حد : ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [ الروم : 38 ] وقوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . وَاتَّقُوا اللَّهَ - في مجامع أموركم - وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي للجزاء على أعمالكم ، وهو تأكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه ، لأنّ من تصور أنه لا بدّ من حشر ومحاسبة ومساءلة ، وأنّ بعد الموت لا دار إلّا الجنة أو النار - صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى . و ( الحشر ) اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 204 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي : يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أي : يحلف باللّه على الإيمان بك والمحبة لك وأنّ الذي في قلبه موافق للسانه لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة ؛ أو معناه : يظهر لك الإسلام ويبارز اللّه بما في قلبه من الكفر والنفاق - على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : 1 ] . - كقوله تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ . . . [ النساء : 108 ] الآية ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ شديد الخصومة ، جدل بالباطل . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 205 ] وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا تَوَلَّى - انصرف عمّن خدعه بكلامه - سَعى - مشى - فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها بإدخال الشبه في قلوب المسلمين ، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر ، وهذا المعنى يسمّى فسادا ، كقوله تعالى - حكاية عن قوم فرعون : أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [ الأعراف : 127 ] . أي : يردّوا قومك عن دينهم ويفسدوا عليهم شرعتهم ؛ وسمّي هذا المعنى فسادا لأنه يوقع الاختلاف بين الناس ، ويفرق كلمتهم ، ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض ، فتنقطع الأرحام ،